Return to site

نظرة جديدة لسوء السلوك

فك شفرة طفلك

· مقالات

"التربية المثالية تبدأ حينما نكف عن التفكير فى وجهات نظرنا, و نبدأ فى النظر للعالم من وجهة نظر الطفل,أو نتذكر كيف كنا نشعر و نفكر حينما كنا صغارا"

عبارة قالها أحد خبراء التربية, و تخبرنا الكثير عن الصعوبات التى نواجهها فى التعامل مع أبنائنا, ربما يكون هذا هو سبب المشكلة الحقيقى: أننا نفكر فقط فى وجهات نظرنا, و نسينا أن نفكر كيف يفكر الطفل, و بم يشعر, و لم يتصرف بهذه الطريقة......

هل تستبعد أن يكون الطفل مراوغا و غير مباشر بحيث يكون لسلوكه شفرة خفية؟ نعم, بالفعل, الأطفال بصفة عامة مباشرين جدا و لا يتحدثون عن شىء بينما يقصدون شيئا آخر كما يفعل الكبار.

إلا أن علم النفس يخبرنا أن سلوكهم وراءه دافع ما, رغبة ما, مشكلة ما, شعور سىء يشعر به و يرغب فى التعبير عنه, إلا أنه لا يستطيع التعبير عنه بشكل صريح, ربما لأنه لا يدركه تماما, فيظهر الشعور السىء فى شكل سلوك السىء, و هذه هى الشفرة الخفية التى تقع خلف السلوك السىء, و هذا هو ما علينا معرفته حتى نفك شفرة الطفل و نفهم حقيقة شعوره و سبب تصرفه.

فكر فى السلوك السىء كشفرة عليك أن تحلها, فكر :" ماذا يحاول أن يخبرنى؟ ما الذى يزعجه؟

هل فكرت يوما ما فى السبب الذى يدفع ابنك لسوء السلوك؟ هل تظنه مجرد ولد شقى يحتاج للانضباط و الشدة حتى يتحسن سلوكه؟ ماذا لو أن هناك دافعا خفيا خلف سلوكه؟ هذا الدافع ليس خفيا عليك فقط, بل عليه أيضا, فهو لا يعى بعد وجوده, و لكن هذا لا يعنى أنه غير موجود!

سنحاول أن نجمل أهم الأسباب الحقيقية التى تقع وراء سوء السلوك حتى نعرف كيفية التصرف الأمثل فى كل حالة:

  1. قد يكون السلوك الذى نراه سيئا هو سلوك طبيعى بالنسبة لسن الطفل: مثلا الطفل فى سن عام يضرب والدته, و فى سن عامين ينفجر فى نوبات غضب و يلقى بالأشياء على الأرض..... من المؤسف أن يعتبر الأهل السلوك العادى المناسب للسن أنه سوء سلوك, و يلجأون للعقاب أو الضرب أو التهديد. الصواب أن يقرأ الأهل عن تطور الطفل و السلوكيات المعتادة فى كل سن و كيفية التعامل معها. و فى كل الأحوال يجب توجيه الطفل للتصرف الصحيح بدلا من تعنيفه.
  2. الطفل لا يعرف الصواب و الخطأ: قد تندهش من كم الأخطاء التى يرتكبها الطفل عن غير قصد! ربما يبدو الأمر بديهيا بالنسبة لنا لكنه ليس كذلك للطفل. قد يقف الطفل الذى يبلغ 7 سنوات وراء الباب ليسمع ماذا تقول لابنك الآخر, و غالبا لا يعرف الطفل معنى التنصت و التجسس و احترام الخصوصية. و قد تعيد الطفلة الحديث الذى سمعته بين أبويها على الملأ أمام الآخرين .....  قبل أن تندفع لعقاب الطفل أو تعنيفه اسأله أولا إن كان يعرف أن هذا التصرف خاطىء أم لا, إذا لم يكن يعرف ( فنحن بالتأكيد ننسى أن نعلّمهم بعض الأشياء) يجب أن نعلّمه و نفهمه بهدوء.
  3. افتقاد الاهتمام: من أشهر المواقف التى تتكرر هو سوء سلوك الطفل أثناء حديث والدته فى الهاتف, الطفل يريد ان يلفت نظرها و أن يحصل على اهتمامها طول الوقت. و بالمثل الغيرة من الأخ الأصغر, و التى أحيانا تتطور إلى ضرب الصغير, سببها الرغبة فى الحصول على اهتمام الأم. يجب أن ندرك أن أول احتياج نفسى للطفل هو الحصول على الحب, و الاهتمام هو دليل الحب بالنسبة للطفل, لذلك يفسر اهتمام الأم بالأخ الصغير أو انشغالها عنه بأنها لم تعد حبه, و يشعر بالتهديد و الخوف, و يرغب بكل طريقة فى استعادة اهتمامها و حبها. و لأنه لا يجيد التعبير عن مشاعره, بل حتى لا يجيد التصرف بشكل منطقى, يظهر هذا الاحتياج فى شكل سلوكيات سيئة مثل تلك التى ذكرناها. و الآن عليك أن تسأل نفسك ماذا سيكون شعورك إذا أخبرك ابنك أنه يفتقد الشعور بالحب و يشعر بالإهمال و بأنه منبوذ؟! هل ستعنّفه و تغضب منه أم ستتفهم شعوره و تحاول جاهدا أن تمنحه مزيدا من الحب؟ هذا هو ما يجب علينا إدراكه فى حالة سوء التصرف النابع من افتقاد الاهتمام.
  4. صراع القوة: لا يكاد يخلو بيت من مشكلة العِند, فكل الاباء و الأمهات يصفون الأبناء بالعند. و لكن ما هو العند؟ و ما سببه؟ و هل هو دائما شىء سىء؟ الأصل فى العند هو قوة شخصية الطفل و قوة إرادته. فالطبيعى أن الأهل يصدرون الأوامر و يرفضون و يفرضون إرادتهم و طلباتهم المستمرة على الطفل, و بالتالى يشعر الطفل إن إرادته و شخصيته فى خطر! و يبدأ فى الرغبة فى فرض رأيه و عمل ما يحلو له. و من هنا تنشأ مشكلة العند. أى أن الأصل أنه سمة طبيعية عند أكثر الأطفال, و تزداد أحيانا فى حالة الطفل قوى الشخصية جدا الذى يرفض تماما الاستجابة لأوامر الأهل, أو فى حالة الأم المتسلطة التى تتطلب طاعة تامة لأوامرها. لذلك يكون صراع القوة هو السبب الخفى وراء الكثير من السلوكيات السيئة التى قد نلاحظها على الطفل مثل الامتناع عن تنفيذ طلبات الأهل و المماطلة فى عمل الواجب و عدم الرغبة فى المذاكرة أو حتى الأكل.... إذن عِند الطفل فى أغلب الأحيان هو صيحة غضب و ألم, كأنه يريد أن يقول:" أنا موجود, أنا إنسان و لى رغبات أنا الآخر, لماذا لا تلتفون لما أحبه, و تفرضون علىّ ما تحبون؟".  فى هذه الحالة يجب على الأهل مراجعة أنفسهم فى أسلوبهم التربوى, هل هناك تعليمات و أوامر أكثر من اللازم؟ هل تتم مراعاة رغبات و شعور الطفل أم فقط إجباره على الطاعة؟ هل هناك علاقة تواصل و احترام و ودّ متبادل بين الطفل و الأهل؟ كما يفيد جدا الاتفاق مع الطفل على روتين أو نظام أو قواعد معيّنة لتقليل حدّة المشاكل و الاحتكاكات. فالطفل الذى يشارك فى وضع القواعد يصبح أكثر تقبلا لوجودها و أكثر استعدادا لتنفيذها. يمكنك أيضا أن تمنح الطفل بعض الاختيارات و بعض الحرية فى تنظيم شئونه بنفسه, مثلا يمكنه أن يحدد لنفسه نظام المذاكرة بدون أى ضغط منك لكنه فى المقابل مسئول و مطالب أن يحصل على نتيجة معيّنة. ابتعد عن الغضب و الانفعال و محاولة فرض الرأى بالقوة لأنه سيزيد من حدّة المشكلة. لا تنس أن تعلّم الطفل مسئولية تصرفاته, إدارة وقته, التفكير فى عواقب التصرفات, ضرورة احترام الكبار. ابذل الجهد فى تعليمه بدلا من بذل جهد لا طائل له فى عقابه.
  5. التصرف طبيعى لكنه مزعج ولا يراعى احتياجات الآخرين: لا يوجد طفل لا يحب الجرى و القفز و الصياح بصوت عال أثناء اللعب و بعثرة كل شىء من أجل اللعب..... كلها تصرفات طبيعية, لكنها ليست دائما مقبولة, خاصة مع تقدم عمر الطفل, حيث يصبح مطالبا بمراعاة شعور الآخرين و عدم إزعاجهم بالصياح و الجرى... لا يمكننا أن نعتبر هذه التصرفات سوء سلوك, فهى تصرفات طبيعية, لكن المشكلة تحدث حين يطالب الأهل الطفل بالتوقف عن اللعب لأنهم يشعرون بالإزعاج. الصواب هو تفهم احتياج الطفل للعب و للحرية أثناء اللعب, فإما توفير مكان مفتوح ليلعب فيه كما يحلو له ( نادى أو حديقة), أو الاتفاق معه على حل بديل, الاتفاق و ليس فرض الرأى, أى نسأله ما إذا كان يفضل اللعب بهدوء دون صوت عال أو أن يمارس نشاطا آخر, أو حتى يقترح أى حل يراه مناسبا. و بصفة عامة يجب الاهتمام بتعليم الطفل كيفية المحافظة على الممتلكات و احترام الآخرين و عدم إزعاجهم بالجرى بينهم أو بالأصوات العالية.
  6. التنصل من المسئوليات: ألا تمر أيام نرغب فيها نحن الكبار بالراحة و عدم القيام بمسئولياتنا المعتادة؟ و حتى إن ألزمتنا الظروف بالقيام بمسئولياتنا, كيف نظن أن الطفل سيقبل على أداء التزاماته بسعادة و إقبال؟!! لا شك أنه شعور طبيعى أن يكره ترتيب غرفته و أن يملّ من أداء الواجبات المدرسية و أن يرغب فى اللعب طول الوقت, فهو فى النهاية طفل! علينا أن نتفهّم أن أى طفل سيحاول مرارا و تكرارا التنصل من مسئولياته, و علينا أن نحاول باستمرار حمله على أدائها و تشجيعه على تحمل مسئوليته. لا يستلزم الأمر أكثر من وضع القواعد و متابعة تنفيذها باستمرار, مع العلم أن كل الأطفال يحتاجون لمن يتابعهم و ينبّههم و يذكّرهم باستمرار.
  7. الملل: من أهم أسباب سوء السلوك و الشجار بين الأخوة هو الملل. فالطفل الذى لا يجد ما يفعله يستطيع أن يحيل البيت جحيما! و الحل يختلف حسب عمر الطفل, فالطفل الصغير فى الرابعة أو الخامسة يكفى جدا أن نشغله بأى شىء, قراءة قصة, مشاهدة برنامج مفيد, اللعب معه, اصطحابه معنا إلى المطبخ و السماح له بأداء بعض الأمور البسيطة, توجيهه للعب بالصلصال أو الرسم..... أما الطفل الأكبر فيجب تنبيهه لهذا الطبع, فقد يقع هذا السلوك من طفل فى الثانية عشرة و أحيانا أكبر من ذلك, علينا أن ننبهه أنه يفتعل المشاكل لأنه لا يجد ما يفعله, و إن لم يتوقف فورا يتم تكليفه بأعباء زائدة كتنظيف شىء فى البيت أو ترتيب أو النزول لشراء طلبات.....

 

 

إذن بعض السلوكيات قد تكون مفهمومة و مباشرة, و بعضها قد يكمن خلفه سبب آخر, كفقدان الاهتمام, أو صراع القوة.

ماذا لو تصرفنا كرد فعل على السلوك الظاهر و تجاهلنا السبب الكامن خلفه؟!

  • فى حالة الطفل المفتقد للاهتمام, ستظل المشكلة موجودة و تؤرقه, بل تعذّبه إذا زاد الأمر و تطور إلى شعور أنه غير محبوب. لا تكمن المشكلة فى أن السلوك السىء سيستمر, بل أن المشكلة الحقيقية الأكثر عمقا لا تزال موجودة لأن الأهل لم ينتبهوا لها. من البداية, و قبل أن يظهر الطفل أى سلوك سىء قد يكون سببه افتقاد الاهتمام, امنحه الكثير من الحب, عبّر بصراحة عن حبك له, امنحه أيضا الوقت و الاهتمام, العب معه و شاركه هواياته و تحدث معه.
  • فى حالة الطفل الذى يعانى من صراع القوة, إذا لم ينتبه الأهل لهذه المشكلة, و حاولوا فرض إرادتهم على الطفل بسبب العِند الذى يبديه, سيتطور الأمر للأسوأ. ستظل دائرة صراع القوة تتسع, العند من الطفل و العند من الأهل و مزيد من العند من الطفل..... و كل طرف يحاول أن يفرض سيطرته حتى يخرج الأمر عن السيطرة فى سن المراهقة. بالطبع من حق الأهل, بل من واجبهم فرض بعض الأمور و متابعة تطبيقها, لكن لا بد أن نأخذ فى اعتبارنا أن لأبنائنا شخصية مستقلة, و لهم رغبات و ميول. و أن التفاهم هو الوسيلة الأكثر صحة لكى يكون للأسرة نظاما سليما, و أن منح الطفل الحب و الاحترام سيشجعه على تقبّل التعليمات و طاعتها.

و تذكر دائما أن العِند فى الأصل سببه الأهل, ففى العائلات التى تمنح أبنائها الحب و الاحترام و الثقة, و تحدد قواعد للبيت دون تسلط, و تشرك الأطفال فى وضع القواعد أحيانا و فى تحديد عواقب خرقها, لا توجد مشكلة العند نهائيا.

 

All Posts
×

Almost done…

We just sent you an email. Please click the link in the email to confirm your subscription!

OK